السيد كمال الحيدري

56

التربية الروحية

واستعمال البرهان ، وهو باق ما دام الإنسان متوجّهاً إلى مقدّماته غير ذاهل عنها ولا مشتغل بغيرها ، ولذلك يزول العلم بزوال الإشراف على دليله وتكثر فيه الشبهات ويثور فيه الاختلاف . وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها فإنه من العيان ، فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات نفسه ، وشاهَدَ فقرها إلى ربّها وحاجتها في جميع أطوار وجودها ، وجد أمراً عجيباً ، وجد نفسه متعلّقة بالعظمة والكبرياء متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وإرادتها وحبّها وسائر صفاتها وأفعالها بما لا يتناهى بهاءً وسناءً وجمالًا وجلالًا وكمالًا من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغيرها من كل كمال . وعند ذلك تنصرف عن كل شيء وتتوجّه إلى ربّها ، وتنسى كل شيء وتذكر ربّها ، فلا يحجبه عنها حاجب ولا تستتر عنه بستر ، وهو حق المعرفة الذي قُدّر لإنسان . وهذه المعرفة الأحرى بها أن تسمّى بمعرفة الله بالله ، وأما المعرفة الفكرية التي يفيدها النظر في الآيات الآفاقية ، سواء حصلت من قياس أو حدس أو غير ذلك ، فإنما هي معرفة بصورة ذهنية عن صورة ذهنية ، وجلّ الإله أن يحيط به ذهن أو تساوي ذاته صورة مختلقة اختلقها خلق من خلقه ، ولا يحيطون به علماً » « 1 » . والحاصل أن آيات هذا المقطع من سورة الشمس المباركة أكّدت أهمية الأخلاق والتقوى ، بما لا نجده في آيات أخرى من القرآن الكريم .

--> ( 1 ) ( ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 6 ، ص 171 .